السيد كمال الحيدري
392
دروس في التوحيد
فحسب ، بل لا يمكن أن يأتي بعده إنسان يكون أكمل منه . الدليل الثالث : قوله تعالى : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ( المائدة : 48 ) . ومحلّ الشاهد في هذه الآية الشريفة كلمة ( مهيمناً ) ، التي تطلق على الشيء الذي يحفظ ويرتّب ويؤتمن على شيء آخر ، لذا قال الخليل الفراهيدي : الرجل يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه وحافظاً . وقال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ : " هيمنة الشيء على الشيء - على ما يتحصّل من معناها - كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرّف فيه ، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كلّ شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية : يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيّرة وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل ليناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقّي والتكامل بمرور الزمان ؛ قال تعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وقال : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ( المائدة : 48 ) . فالقرآن الكريم حافظ لجميع الشرائع السماوية السابقة ويشرف على صيانتها من الانحراف إشرافاً كاملًا ، ويكمل تلك الكتب التي تلتقي في هدف واحد على الرغم من الفوارق الموجودة بينها ، في تتبع من مقتضى التكامل التدريجي للإنسان ، حيث إنّ كلّ شريعة جديدة ترتقي بالإنسان إلى مرحلة أسمى من مراحل الرقي والكمال الإنساني وتشتمل على خطط وبرامج أكثر شمولًا وتطوّراً . ومن هيمنته عليها الحفاظ على أصولها الثابتة التي لا تتغيّر مع أيّ شريعة ومنها نسخ ما يجب نسخه إلى خير منه ليكون حكماً يناسب كلّ الأجيال : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا .